السيد محمد بيرم الخامس التونسي
161
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
في الفتاوى ببعض أشياء أنها مكفرة فلا يعول عليها « 1 » ، نعم إن جميع الشعائر الظاهرة هي من الدين أيضا ومنها حفظ النفس . وقد علمنا من الشرع تقديمها على كل ما سواها إلا الإعتقاد ، ولهذا يجوز إتلافها في القتال على الدين وهكذا على شعائره ، فإنهم صرحوا بأن من تركوا جميعا الآذان يقاتلون حفظا للدين وتقديما له على النفس ، لكن ذلك إذا كان منبئا عن الاستخفاف الراجع للاعتقاد ، أما إذا تبين التأويل أو العذر المنبىء عن صحة الإعتقاد فلا يقاتلوا حينئذ ولهذا لم نؤمر بقتال تاركي الجمعة بتأول وجوب الإمام المعصوم مع أنها من شعائر الدين . وبما تقدم يعلم جواز تلقيح الجدري من الحيوان أو الإنسان ، لأنه قد ثبت بالتجربة المفيدة للقطع أنه حافظ من الهلاك أو مما يقرب منه ، ومن هذا الباب تجويزهم للكتابة بالدم مع أنه فيه استخفاف بالحروف التي مرجعها الدين ، وبيانه أن الاستخفاف فعل القلب والأعمال الظاهرية دالة عليه وأقيمت مقام الحرمة بسبب دلالتها لا لذاتها ، فهلاك النفس تعارض مع ما يدل على الاستخفاف فقدم دفع الهلاك للتيقن بسلامة الإعتقاد ، وغلب ذلك الدلالة لارتكاب أخفّ الضررين . فإن قيل : كيف يكون أخف الضررين مع أن الآخر مرجعه للدين وهو مقدم على النفس ؟ فالجواب : إن الدين قد علمت أنه سالم وهو الإعتقاد ولم يبق إلا الدلالة في مقابلة
--> الصريح لا يؤول كما نص عليه العلماء ومنهم : تقي الدين الشبلي والشيخ ابن حجر والقاضي عياض وإمام الحرمين وغيرهم كثير . فينبغي أن يستحضر طالب الحق هذه القاعدة : « إن الصريح لا يؤول » : فلا يلقها من يده فإنها تنفعه وتمنعه من التسليم لما يراه في الفتوحات المكية للشيخ محيي الدين بن عربي من العبارات التي هي صريحة في الكفر . فاعلم أنها موسوسة عليه لأمرين : أحدها : أن الشعراني قال إنه اطلع على النسخة الأصلية فوجدها خالية من هذه الكفريات . وأن صاحب « المعروضات المزبورة » أحد الفقهاء المشهورين في أهل المذهب الحنفي قال : تيقنا أن اليهود دسوا عليه في نصوص الحكم . الثاني : أن الحافظ ابن حجر قال في لسان الميزان في ترجمة ابن عربي إعتدّ به حفاظ عصره كابن النجار ، وابن الدبيثّي . ويؤيد ذلك أن في الفتوحات المكية عبارات صريحة في إبطال القول بعقيدة الحلول والاتحاد ، وفيها التنزيه الصريح للّه تعالى عما ينزهه أهل الحق ، ففيها الكثير من هذا والكثير من ذاك . فالحذر الحذر مما يخالف القاعدة المقررة أن التأويل في اللفظ الصريح لا يقبل . ا ه . ( 1 ) انظر كتاب روضة الطالبين للنووي 10 / 64 وكتاب الشفا للقاضي عياض 2 / 210 وما بعدها والفتاوى الخانية ورسالة البدر الرشيد في الألفاظ المكفرات طبعة أولى سنة 1991 صادر عن مؤسسة نادر بيروت .